الصفحة الأولى  الآثار

  تمثال تاروت "الخادم العابد" 

 

المصدر: مجلة الواحة، العدد الرابع والأربعون. السنة الثالثة عشرة الربع الأول 2007 م

الكاتب : نبيل يوسف الشيخ يعقوب

 

 

Art of the first cities, by Aruz, Joan pp 323

  

    هذا التمثال منحوت من الحجر الجيري القاسي ألقشطي اللون من الحجارة المتوفرة محليا في المنطقة، ارتفاعه  94 سم وهو على شكل رجلا بالغ في العمر في الأربعينات أو الخمسينات وهو منتصب حليق الرأس والوجه عاري الجسد ويشد حول خصره حزام بارز من ثلاث صفوف أو لفات، وفي أسفل البطن يظهر العضو التناسلي. يداه على صدره، الكف الأيمن فوق الكف الأيسر ووضوح الأصابع والأظافر كما أن عظام القفص الصدري أسفل الرقبة تشكل الرقم 7 الهندية، مرافق اليدين مدببة وبارزة للخارج وتكوين الفراغ بين الذراعين والصدر وتحت الإبط. الرأس لا رقبة لها تقريبا والوجه بملامح حسنة التنفيذ والتي لا ينقصها التعبير وبأذنان بارزتان للخارج عليهما تجاويف الأذن وعينان غائرتان يحيطهما بروز نافر، الفم كبير بعض الشيء مما يوحي بأنه يتلو تراتيل دينية لكن عليه بعض التلف مع الأنف الذي تحصل على اكبر نسبة من التلف، الساقين ينفصلا عن بعضهما عند الركبة، ولسوء الحظ فان القدمين مفقودتان. 

أما الظهر فيظهر عليه ملامح العامود الفقري بخط غائر محفور بوضوح ويقسم الظهر إلى نصفين كما أن الحزام في أسفل الظهر وانحناء بسيط بين الفخذ والساق ليكون زاوية بسيطة أو انحناء بسيط خلف الركبة. هذا التمثال مكسور من الرقبة والخصر وهو مرمم.  لقد نحت هذا التمثال بعناية ليمثل الخادم العابد وهو في وضعية الصلاة والخشوع التام والتضرع للآلهة وقد جمع بين أسلوب التجريد ومحاكة الطبيعة وهو أسلوب وفن ذو أبعاد ثلاث وهو شبيه بتماثيل المتعبدين السومرية التي وجدت في بلاد الرافدين في مواقع مختلفة مثل تل الحريري وتل خفاجة وتل أسمر والتي تعود إلى النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد من عصر ميسلم أو قريب منه (مورتكات 1969 : 120)، لكن بملامح قد تكون اقرب إلى السامية. 

 

    لقد برع التاروتي في فن النحت المجسم بالحجر للأشكال البشرية وقد تكون مدرسته في بلاد الرافدين وقد يكون النحات أصلا من بلاد الرافدين عاش في تاروت لسبب ما؟ لكن لا يمكن أن نعتقد أن هذا التمثال قد جلب من بلاد الرافدين وانه قد نحت هناك وذلك أن هذا الحجر من الحجارة المحلية في المنطقة. 

    هذا التمثال لا يحتوي على أية كتابة مثل معظم التماثيل في بلاد الرافدين والتي تعود إلى نفس الفترة وهو ليس التمثال الوحيد المكتشف في الجزيرة أو في المنطقة الشرقية لكن قد يكون من أقدمها.  وقد يعتبر هذا التمثال نذرا لشخص ما من سكان الجزيرة كما أن عملية حلق شعر الرأس قد تكون من الطقوس التعبدية لأهل المنطقة قديما والتي لا نعرف عنها الكثير كما أن وقوفه عاريا قد يمثل وقوفه أمام  الإله في وضعية الخادم أو الزاهد العابد الفقير الذي لا يريد الحياة الدنيا والذي يطمع بالآخرة فقط وقد يكون هذا التمثال أيضا بديلا سحريا بدافع ديني وان فتح الفم لإلقاء الشعائر الدينية تخدم دون انقطاع الشخص الذي وهبها نحو حياة خالدة لكن بما أن هذا التمثال وجد عليه بالصدفة أثناء شق طريق بالتل الأثري وليس في حفرية نظامية فإننا نجهل كيفية وضعيته الأصلية وهل كان في احد معابد المستوطنة أو في مدافنها القديم[1]، كما انه ليس في الإمكان حتى الآن تقدير طبيعة ذلك التل لذا ستبقى الكثير من الأسئلة بلا أجوبة وإن الضرر الذي لحق بهذه التلال الأثرية وفي جزيرة تاروت قد افقد حلقة مهمة من تاريخ الجزيرة وحلقة مهمة أيضا من ثقافة الساحل الغربي على الخليج العربي. 

  

الهوامش:

[1] يوجد بناء ضخم تحت قلعت تاروت لا تعرف وضيفته، قد يكون معبدا أو قصرا وهو يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. 

Free Web Hosting